السيد نعمة الله الجزائري
32
نور الأنوار في شرح الصحيفة السجادية
وقد قال الشاعر : ذكر الفتى عمره الثاني وغايته * ما فاته وفضول العيش أشغال وقال آخر : ماتوا فعاشوا بحسن الذكر بعدهم * ونحن في صورة الأحياء أموات وقيل المراد زيادة البركة في الأجل ، أما في نفس الأجل فلا ، قال شيخنا الشهيد طاب ثراه ، وهذا الإشكال ليس بشيء ، أما أولا ، فلوروده في كل ترغيب مذكور في القرآن والسنة ، حتى الوعد بالجنة وبجواز الصراط والحور والغلمان ، وكذلك التوعد بالنيران ، ثم قال والجواب عن الجميع واحد ، وهو أن اللّه تعالى كما علم كمية العمر علم ارتباطه بسببه المخصوص ، وكما علم من زيد دخول الجنة جعله مرتبطا بأسبابه المخصوصة من إيجاده ، وخلق العقل له وبعث الأنبياء ونصب الألطاف وحسن الاختيار والعمل بموجب الشرع ، فالواجب على كل مكلف الإتيان بما أمر فيه ولا يتكل على العلم ، فإنه مهما صدر منه فهو المعلوم بعينه ، فإذا قال الصادق : إن زيدا إذا وصل رحمه زاد اللّه في عمره ثلاثين سنة ففعل ذلك إخبارا بأن اللّه تعالى علم أن زيدا يفعل ما يصير به عمره ثلاثين سنة زايدا ، كما أنه إذا أخبر أن زيدا إذا قال لا إله إلّا اللّه دخل الجنة ، فإن قلت قد قال اللّه تعالى : ولكلّ أجل فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ * ، وقال تعالى : وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُها ، قلت صادق على كل ما يسمى أجلا موهبيا ، أو أجلا مسببيا ، فيحمل على الموهبي ويكون وقته وفاء لحق الحفظ ، ويجاب أيضا بأن الأجل عبارة عما يحصل عنده الموت لا محالة ، سواء كان بعد العمر الموهبي أو المسببي ، ونحن نقول كذلك لأنه عند حصول أجل الموت لا يقع التأخير ، وليس المراد به العمر إذ الأجل مجرد الوقت ، وينبه على قبول العمر للزيادة والنقصان - بعد ما دلت عليه الأخبار الكثيرة - قوله تعالى : وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتابٍ ، انتهى ، وهو تحقيق حسن ، نعم يظهر من جوابه أن الأجل ضربان موهبي ومسببي ، وهذا هو مذهب المعتزلة حيث قالوا إن المقتول لو لم يقتل لعاش إلى أمد هو أجله الذي قدره اللّه له ، فالقاتل عندهم غيريا لتقديم الأجل الذي قدره اللّه تعالى ، وادّعوا فيه الضرورة ، واستشهدوا عليه بذم القاتل ، ولو كان المقتول بأجله الذي قدره اللّه له لمات وإن لم يقتله ، فالقاتل لم يجلب بفعله أمرا لا مباشرة ولا توليدا ، وكان لا يستحق الذم عقلا ولا شرعا ، والجواب أنه يستحقه